ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

100

الوشى المرقوم في حل المنظوم

رابعا : - السبق الزمنى واللفظ والمعنى ومن القضايا المهمة التي تطرق إليها أيضا ؛ قضية السبق الزمنى التي أثارها غير واحد من نقدة العرب ، وقد تعصب بعضهم للقديم ، وتعصب البعض الآخر للحديث . ومع ذلك فإننا نجد كثيرين سوى أولئك وهؤلاء ؛ يتخذون موقفا آخر من تلك القضية يتمثل في نظرتهم التوفيقية لهذه القضية فقد « التقى حول هذه النظرة أناس ذوو مشارب متباينة ، فيهم اللغوي المشبع بروح القديم كأبى عباس المبرد ، والمتكلم المتأثر بشتى ألوان الثقافات كالجاحظ ، وذوو الثقافة الإسلامية الخالصة كابن قتيبة والشاعر المحدث كابن المعتز » « 1 » . فالجودة هي القول الفصل في قضية القديم والحديث ، وهي السبب الرئيسي في أن نأخذ « الجيد ممن كان ، وفي أي زمان كان » « 2 » . أما ابن الأثير فيخلص في هذه القضية ؛ إلى أنه من الأمور المعلومة « أن الآخر لا يستغنى عن الاستفادة من الأول ، وليس هذا لفضيلة اختصّ بها الأول دون الآخر ؛ بل لأنه سبق زمانا » « 3 » ، فلا فضل للأول في ما يقع للآخر . لكنّه يربط بين قضية الأول والآخر أو القديم والحديث ؛ وبين قضية اللفظ والمعنى ربطا وثيقا ، لا تكاد تنفصم عراه من ناحية إلا اتصلت في ناحية أخرى ، فإذا كان أبو العباس المبرد ( 210 - 286 ه ) « لم يتناول تلك القضية بشئ من التفسير » « 4 » ؛ فإن عمرو بن بحر الجاحظ ( - 255 ه ) يعوّل على اللفظ دون المعنى ، « والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني ؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن ، تخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحة الطبع ، وجودة السبك » « 5 » .

--> ( 1 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، د . إحسان عباس / 77 . ( 2 ) الحيوان 3 / 130 ، وراجع حولية آداب الكويت / الجاحظ والنقد الأدبي / 44 وما بعدها . ( 3 ) انظر ص 311 . ( 4 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، د . إحسان عباس / 82 . ( 5 ) الحيوان 3 / 131 و 132 . ، وراجع تاريخ النقد الأدبي عند العرب / 87 .